ملا محمد مهدي النراقي

108

جامع السعادات

والعدة وكانت صفاته الكمالية أقوى وأكثر ، لكونها من مراتب الوجودات فالوجود الواجبي الذي هو التام فوق التمام والقائم بنفسه المقوم لغيره ينطوي في جميع الوجودات ، ويكون محيطا بالكل ، ثم محبة الأولاد من التحقيق يرجع إلى هذا القسم ، لأن الرجل إنما يحب ولده ويتحمل المشاق لأجله ، وأن لم يصل منه إليه نفع وحظ ، لعلمه بأنه خليفته في الوجود بعد عدمه ، فكأن بقاءه نوع بقاء له ، فلفرط حبه لبقاء نفسه يحب بقاء من هو قائم مقامه وبمنزلة جزء منه ، لما عجز من الطمع في بقاء نفسه ، ولعدم كون بقائه هو بقاؤه بعينه يكون بقاء نفسه أحب إليه من بقاء ولده لو كان طبعه باقيا على اعتداله ، وكذلك حبه لأقاربه وعشيرته يرجع إلى حبه لكمال نفسه ، فإنه يرى نفسه كبيرا قويا لأجلهم ، متجملا بسببهم ، إذ العشيرة كالجناح المكمل للانسان ( 13 ) . والثاني - حبه لغيره لأجل أنه يلتذ من لذة حيوانية كحب كل من الرجل والمرأة للآخر لأجل الجماع ، وحب الإنسان المأكولات والملبوسات ، والسبب الجامع في هذا القسم هو اللذة ، وهو سريع الحصول وسريع ، الزوال ، وأضعف المراتب ، لخساسة سببه وسرعة زواله . الثالث - حبه للغير لأجل نفعه وإحسانه ، فإن الإنسان عبد الإحسان ، وقد جبلت النفوس على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها ، ولذا قال رسول الله ( ص ) : ( اللهم لا تجعل لفاجر علي يدا فيحبه قلبي ) . فالسبب الجامع في هذا القسم هو النفع والاحسان ، وهذان القسمان عند التحقيق يرجعان إلى القسم الأول ، لأن المحسن من أمد بالمال المعونة وسائر الأسباب الموصلة إلى دوام الوجود وكمال الوجود ، وسبب اللذة باعث لحصول الحظوظ التي بها يتهيأ الوجود . والفرق أن الأعضاء ، والصحة ، والعلم ، والطعام ، والشراب ، والجماع : محبوبة لأن بها كمال وجوده وهي عين الكمال ، وأما الطبيب

--> ( 13 ) كما قال أمير المؤمنين - عليه الصلاة والسلام - في جملة ما أوصى به ولده الإمام المجتبى - عليهما الصلاة السلام - : ( وأكرم عشيرتك ) فإنهم جناحك الذي تطير به ، وأصلك الذي إليه تصير ، ويدك التي بها تصول ) نهج البلاغة : 3 / 63 ، مطبعة الاستقامة ، القاهرة .